محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
899
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
المرّتين ؛ فإمّا إمساك وإمّا تسريح ؛ والإمساك نهاية في الاسترجاع ، والتسريح نهاية في الانقطاع ؛ ولو قال : الطلاق ثلاث مرّات بدل قوله مرّتان لم يكن للاسترجاع منتهى ؛ ولو قال : الطلاق واحدة لم يكن للانقطاع منتهى ؛ بل قال : الطلاق مرّتان يتحقّق فيهما إحصاء العدّة لقوله : وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ حتّى يكون الطلاق طلاق السنّة ، وإنّما يكون طلاق السنّة إذا طلقها في حال الطهر لا في حال الحيض ، وفي طهر لم يجامعها فيه ، لا في طهر جامعها فيه ؛ وأن يكون الطلاق مرّتين في شهرين حتّى يمكن الاسترجاع . وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فلا يجوز التعدّي عنها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ برأيه وهواه فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . وسرّ آخر : وزان الطلاق مرّتين وعند الثالثة الفراق في العلميات : حال موسى والخضر - عليهما السلام - ففي المرّة الأولى قال : أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ولمّا قال : لا تؤاخذني بما نسيت راجعه ، وفي المرّة الثانية قال : أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ولمّا قال : إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي راجعه ثانية ، وفي الثالثة قال : هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ قطع الصحبة ، وبتّ الحبل ، وسرّحه بإحسان ؛ فلا يحلّ له حتّى ينكح في العلم زوجا غيره ؛ والإحسان في التسريح هو ذكر تأويل الأفعال الثلاثة : لمّا لم يكن إمساك بمعروف كان تسريحا بإحسان ؛ فما كان يجب على العالم أن يعلمه التأويل إذ كان الشرط أن يصبر موسى على ما لا يعلم حتّى يعلّم فيعلم ؛ فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً وما وفي بالشرط ؛ إذ قد سأل واعترض واستأمر واستنكر ، وكان الإخبار بتأويل كلّ حادثة إحسانا وتفضّلا ، وكذلك المراتب ( 371 آ ) الثلاث التي جاوزها إبراهيم الخليل - عليه السلام - تطليقا لكلّ صاحب مرتبة بقوله : لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ وبقوله : « لئن لم يهديني ربي لأكونن من القوم الضالين » وبقوله في الثالثة : يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ وقد بتّ الحبل وقطع الوصلة وطلّق طبعه ونفسه وعقله عنها ثلاثا ، فلا تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره ؛ وكذلك المراتب الثلاث في الدين وأصحاب المراتب الثلاث والأطوار الثلاثة في خلق الإنسان والكلمات الثلاث في النبوّة ، والحروف الثلاثة في التوحيد ، يقبلها المستجيب على ترتيب وتدريج ، ويردّها المنافق خروجا بعد خروج ،